الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

114

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

للرجال . فالتفضيل هو المزايا الجبلية التي تقتضي حاجة المرأة إلى الرجل في الذبّ عنها وحراستها لبقاء ذاتها ، كما قال عمرو بن كلثوم : يقتن جيادنا ويقلن لستم * بعولتنا إذا لم تمنعونا فهذا التفضيل ظهرت آثاره على مرّ العصور والأجيال ، فصار حقّا مكتسبا للرجال ، وهذه حجّة برهانية على كون الرجال قوّامين على النساء فإنّ حاجة النساء إلى الرجال من هذه الناحية مستمرّة وإن كانت تقوى وتضعف . وقوله : وَبِما أَنْفَقُوا جيء بصيغة الماضي للإيماء إلى أنّ ذلك أمر قد تقرّر في المجتمعات الإنسانية منذ القدم ، فالرجال هم العائلون لنساء العائلة من أزواج وبنات . وأضيفت الأموال إلى ضمير الرجال لأنّ الاكتساب من شأن الرجال ، فقد كان في عصور البداوة بالصيد وبالغارة وبالغنائم والحرث ، وذلك من عمل الرجال ، وزاد اكتساب الرجال في عصور الحضارة بالغرس والتجارة والإجارة والأبنية ، ونحو ذلك ، وهذه حجّة خطابية لأنّها ترجع إلى مصطلح غالب البشر ، لا سيما العرب . ويندر أن تتولّى النساء مساعي من الاكتساب ، لكن ذلك نادر بالنسبة إلى عمل الرجل مثل استئجار الظئر نفسها وتنمية المرأة مالا ورثته من قرابتها . ومن بديع الإعجاز صوغ قوله : بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ في قالب صالح للمصدرية وللموصولية ، فالمصدرية مشعرة بأنّ القيامة سببها تفضيل من اللّه وإنفاق ، والموصولية مشعرة بأنّ سببها ما يعلمه الناس من فضل الرجال ومن إنفاقهم ليصلح الخطاب للفريقين : عالمهم وجاهلهم ، كقول السموأل أو الحارثي : سلي إن جهلت الناس عنّا وعنهم * فليس سواء عالم وجهول ولأنّ في الإتيان ب ( بما ) مع الفعل على تقدير احتمال المصدرية جزالة لا توجد في قولنا : بتفضيل اللّه وبالإنفاق ، لأنّ العرب يرجّحون الأفعال على الأسماء في طرق التعبير . وقد روي في سبب نزول الآية : أنّها قول النساء ، ومنهن أمّ سلمة أمّ المؤمنين : « أتغزو الرجال ولا نغزو وإنّما لنا نصف الميراث » فنزل قوله تعالى : وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ [ النساء : 32 ] إلى هذه الآية ، فتكون هذه الآية إكمالا لما يرتبط